في قراءة لقصائد الشاعر السوري المتميز :رائد عبد الرحمن سويدان
المتمرّد على المذاهب والأساليب الجامدة
قد يكون من أخصب الشعراء وأكثرهم تنوعا وتفلّتا وحرّية، وربّما تناقضا، وأبعدهم عن المدارس والأفكار “المقوننة” والإعلانات الشعريّة، إنه شاعر يذهب في كل الاتجاهات، ويفتح الأنواع والفنون على مصاريعها، لتتداخل وتتشابك وتتواصل وتتناكر وتتخاطر. كأنه الشاعر “بعد الشعر”، أو “قبله”، أو إزاءه، أقصد الشعر المحدّد بالشروط المعهودة، والقصيدة الخاضعة لإلزامات “الفن”، والتوازن والبناء.
ذلك أن الشعر بالنسبة إليه، لا يسلك المعابر المطروقة، ولا يتبرّج بالزينة والإطراء والتجميل و الإبلاغ، والقصد والمعلوم والمحدّد. فلنقل إنه “مسافر زاده الخيال”. مسافر في ظلّ الوجهات، إلى الداخل، إلى الخارج . يكتب إليك من بلاد بعيدة إلى الأليف، إلى الهلوسة، إلى الصوفية، إلى الجنون. دائما وأنت تقرأ تحسّ إما أنه آتٍ من سفر، أو مغادر، دائما على رحيل، أي دائما في لحظة الاختفاء، وهذه المغادرة، المحفورة في جذور الكائن هنا، والمتنائية كغيمة بلا جذور هناك، أو المتغلّفة في عتمة اللاوعي، أو المتخبّطة في غيبوبات أو المتقلبة في الوساوس والهواجس، هذه المغادرة كأنها بلا عتبات، ولا نوافذ ولا أبواب. مغادرة كالهواء “تمشي، تغوص، تجنح، تحبو، تجري …
الكتابة عنده طريقة وجود. وطريقة عيش. وبحث لا يستقر عما يسميه “الجوهر” أي قلق يجري ويتفجّر في جميع الاتجاهات بل من دون أن ينحصر بنوع أو بأسلوب، بل كأنّه يبحث لكي لا يجِدْ، ويمشي لكي لا يصل. وهنا تلبس الحركة بالواقع ثمّ بالمخيّلة ثمّ بالداخل وبالخارج، وعندها تصبح الكتابة جزءا من هذه التحوّلات، والرحلات وأشكال الهذيان والجنون والصفاء. أن يُبقي كل شيء في شبه “سكون” في الحركة، أو شبه حركة في السكون، وكأنّ كل شيء يفتح على مسافة ما يبدأ من الصفر، بل كأن بين كل حركة وأخرى هاوية. أو “جبل لا يطل على شيء” بحسب تعبيره الرائع، أي يصعد في ذاته وينزل في ذاته، أو فلنقل يتحرك في أسئلته المركّبة هنا والعفوية هناك. كأن كل نتاج ليسائل به، ليشرح، وليقارب مسألة الكائن، مستخدما كل شيء من أجل مقاربة هذه المساءلة.
لكن هذه المساءلة قلما كانت عقلانية أو حيادية بل يكتبها على الحامي، أو الأحرى يُطلقها كصرخة تحت تأثير وجع أو انفعال، بكل قوّة عفويتها، من دون روابط مسبقة، وبنصوص بلا وحدة فالمقطوعات كما يقول بدون روابط صنعت بكسل، يوما بيوم، تابعة حاجاتي، حتى والكلمات المخترعة، إنّما ابتكرتها بعصبيّة وليس ببنائيّة”.وهذا ما يضفي على نصوصه الأكثر جاذبية و حرفية نكهة.
المتعدّد تقرأه من قصيدة إلى قصيدة، ومن نصّ إلى آخر، كأنك تنتقل من قارة إلى قارة، ومن قبو إلى قبو، ومن عالم إلى عالم، تقلق معه، تجرّك حركته المحمومة، ويصيبك سكونه الشاسع، لتشعر بأن “الأرض ما عادت تدور حول الشمس، بل عكس ذلك”، وبأن هذا الهامشي، المتنائي، المتنكر، المتخفّي، هو رفيق الأشياء الأليفة، عندما يحول كل هذه الغرائبيات والأصقاع إلى أشياء مألوفة، ولو قاسية وسوداء.
إنّه مزيج من كلّ ذلك، مزيج ممتع أهمّ ما فيه أنه يفصل هذه العناصر المزيجة ويستفردها ويستفرسها ويستوعبها فتصير من ممتلكاته الحميمة والشاسعة. إنّه اختزال
لزمن شعري كامل
و قد اخترت من كتاباته قصيدتين و ذلك لعدم رفع الصفحة لأكثر من ذلك
بأيِّ الحال يا عيدٌ أتيت؟
ـ___________________________ـ
ويخطرُ لي على عجل حَبابا
بصبحٍ طيف من أهوى وغابا
فهزَّ الروح عشق سرمدي
ودقت لي يد الأشواق بابا
ودارت في الحشا خُلْجٌ رحاها
تدكُّ الصّدر طحناً واللُّبابا
فيا ذا الطيف لو تمشي الهويني
لعلَّ العين تُنبيكَ العِتابا
ويا ذا الطيف مهلاً إنَّ موجي
رهينٌ فيك رَكْناً واضطرابا
ولُجِّي سابح الأحلام يهذي
لغيرك لا تُشقُّ له العبابا
أَصِدْقٌ طيف من أهوى أتانا؟
تُراهُ الوهم والحلم كِذَابا
عزمتُ السير أقفوها خطاهُ
أَطوف الرَّوض بحثاً و الشِّعابا
فَمِنْ وادٍ إلى جبلٍ أراني
سعيتُ السهل حبواً والهضابا
سألتُ الطير والأغصان عنه
لعلَّ الريح ساقتهُ سحابا
كذا والبدر والنجمات قالوا
حبيبك مذ مضى لا ما أنابا
فيا ذا القلب كُفَّ اللومِ عني
فكيفَ نطال من باتوا سرابا
ألا يا عيد بأي الحال تأتي ..
وآل الحيِّ غابوا والصِّحابا
وخِلِّي ما تّلَى في العينِ شوقي
ولا يُمناهُ خَطَّت لي كتابا
تفرَّقْنا فلا عمٌّ وخالٌ
ولا جار يناصفني الشرابا
وإخوانٌ بأرضِ الغيرِ هاموا
فمن للعيد إن غرقوا اغترابا ؟
نظرتَ، وأي حال فيكَ تلقى ؟
عروشٌ قد خوت والضيف غابا
على الأبواب منقوشٌ تعبنا
منهنهةَ الجوى ثملت عذابا
نأى الغِرِّيدُ عن حَيِّي وبيتي
وحل الويلُ يا ليل الغرابا
وحين بدى غيابهمُ يقينٌ
ودرب الوصل قد زُرِعَتْ حِرَابا
وأن الآل قد رحلوا بعيداً
تناسَونا وما عزموا إيابا
جريتُ وسابقتني الروح ولهى
إلى جدثٍ يناغيني إقترابا
أَضُمُّ اللَّحد يا أبتي .. أنادي
أشمُّ التُّرْبَ عطراً مستطابا
أبي ،عمّي، ويا جدي اسمعوني
ودمع بالعيون طَمَى انسكابا
سأخبركم بحال بات مزرٍ
وأنَّ الأرض قد مادت خرابا
سكونٌ طافَ في صمتٍ رهيبٍ
فما اكترثوا ولا ردُّوا الجوابا
وناجتني هواجس فاعتراني
شعور لفَّ لي جسدي وجابا
بَرِمْتُ وقد لقيتُ القلب مدمى
من الأوجاع قد طفح النصابا
أَفِقْ يا حامل الأحزان دهراً
أإن الحزن أفقدك الصوابا؟
أتُسمعُ من غدا في اللحد مَيْتاً!؟
وكيف يجيب من تحت الترابا!؟
أفق يا حامل الأحزان واقنع
بأن الدهر شيَّبَنا وشابا
وأن العمر ولَّى في تبابٍ
ومال القوس ودَّعنا الشّبابا
إذا الأيام لم تصفوا بخلٍّ
ولا بأخٍ يُقاسِمُكَ الصِّعَابا
فإنَّ العيش مرٌّ فوق مرٍّ
وإنَّ الأرض تخسِف والرِّحابا
بأيِّ الحال يا عيدٌ ستأتي ؟
ودون الأهل فالدنيا يبابا
هي الأشواق تعصف بالحنايا
وتحت الضلع قد ضربت قبابا
كذا المشتاق ذو كبد كليمٍ
ونار الفقد تلهبه فذابا
الشاعر رائد سويدان
ٱلنٌےـفُےـمِےـ ٱلحًےـٱئر
سورية
لا تحزني
_________
لا تحزني..
إذ ما سألتِ ولم أجب
أتحبني ؟
أأنا لديكَ مدلّله؟
********
إن كان طرفي شاردا
أو جاء ردي باردا
لا تحزني..
فبحق صيحات الصدى
وبحق طعنات المُدى
ردي سريع قد أتى
بالصمت يسعى مجمله
********
جُرحٌ أنا ،،همسٌ أنا
بردٌ أنا ،، نارٌ أنا
صمتٌ أنا ،، صوتٌ أنا
آتٍ دويا
يسمعه دانٍ أو قصيا
ويقول من سكنت حشاه
مع كلِّ جرحٍ ألف آه
ماذا يُفِدْ فصلٌي الأخير
إن لم يُفِدْنا .. أوله؟
؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
********
والمهزله ..
عمرٌ مضى بين اليباب
ودمٌ سقى نصلَ الحراب
لا تذرفي فوق الشموع
أخشى أنيني يشعله
********
لا تذرفي ..
لا تحزني ..
فإذا الشعوب تبلَّدت
وإذا الجموعُ تبددت
كالبهم قد ساروا وسارْ
مرياعهم خلف الحمارْ
أفما دروا يا حسرةً ؟
حيكت شباك المهزله!!
********
من ألف عهد قد مضى
والأمر بات و انقضى
ويقودهم مرياعهم
سيرا لوادي البهدله
********
يمشي ويتبعه القطيع
وأطّمُّ طَمِّ طمَّةٌ
لا يلقَ شيئاً يأكله
وفي نهايات المطاف ….
يَرْشٍي بهم للمقصله..
********
فهل فهمتِ المعضله ؟؟
دُفِنَتْ حروفي في الشقوق
في الظَّرفِ مع تلك الحقوق
مع زفرتي ردي أسوق
لغة الكلام معطَّله
********
يا منية القلب المُعَنَّى
والروح فيك لموغله ..
أتُعَقِّدي حُمْقاً و ظُلماً
بالظَّنِّ حلُّ المسأله ؟
أنا شاعر و منذ عهد غابرٍ
لكنها تهافتت ،،
نُوَبُ الدهور لتركله
**********
بالحس حبلى غيمتي
وبنسمةٍ هي تهطله
وكفُّ قلبي على المَدى
بعطر غيثي مبلله
لكنَّما يا طفلتي ..
كلٌ سعى …. ليقتله
*********
بالحب حبلى غيمتي
لكلِّ صَدِيٍّ ترسله
ما الذنب إن كانوا بوار
ووجوههم هي قاحله
معضله …. !!
فهم رَونٍ في القلوب
باللهِ حقاً معضله
تذبذُبٌ فيها الخفايا
تجري بعكسِ البوصله
********
بالعشق ضجَّت مهجتي
حباً حناناً يرفله
والخير بين جوانحي
في كل ظرفٍ أحمله
ظنَّاً بها تسقي النفوس
فإذا النفوس مكلله
بالخزي خالطها الخنا
ورؤوسها به موحله
********
يا خنجراً يَسقي الردى ..
غدرٌ بنا ،من أوغله ؟
ذُبح القصيد .. وفي الوصيد
لفَقَتْ حروفي الذابله
واستُلَّ من روح المعاني
خيط الأماني الراحله
لا تحزني..
اذ ما سألتِ ولم أجب
أتحبني .. ؟
أأنا لديك مدلله؟؟
مع شهقتي
ردي أتى
لغة الكلام معطَّله
رائد سويدان
ٱلنٌےـفُےـمِےـ ٱلحًےـٱئر
سورية